السيد عبد الأعلى السبزواري

167

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

قوله تعالى : وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ . مادة ( غ ر ر ) تدلّ على الأثر الحاصل للإنسان ، سواء كان سببه الغفلة أم شيء آخر ، وفي الحديث : « غر محجلون من آثار الوضوء » . والافتراء هو الكذب على الغير ، وفي حديث بيعة النساء : « ولا يأتين ببهتان يفترينه » ، والافتراء على اللّه تعالى هو نسبة ما ليس بمأذون منه تعالى إليه ، وبهذا المعنى يستعمل في غيره تعالى أيضا ، كالافتراء على الأنبياء وسائر الناس ، كما مرّ في الحديث ، وهو قبيح عقلا وشرعا ، لأنه ظلم ، كما أنه من المعاصي الكبيرة . وهو أخصّ من الكذب ، لأنه إخبار غير مطابق للواقع مطلقا ، فيصدق في ما إذا كذب لنفسه أو على نفسه ، بخلاف الافتراء فإنه الكذب على الغير فقط . والافتراء على اللّه تعالى من أقبح القبائح وأعظم الكبائر ، تدلّ على ذلك آيات كثيرة ، منها قوله تعالى : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [ سورة الحاقة ، الآية : 44 - 47 ] . ويمكن أن يقام الدليل الاعتباري على حرمته أيضا ، وهو أن القوانين مطلقا - سواء كانت سماويّة أم وضعيّة - لا بد أن تكون محدودة وتحت سلطة المقنّن ، ولا تتغيّر ولا تتبدّل إلّا بالسير التكاملي ، وما هو الأصلح للإنسان ، وحيث إنه لا يعقل التكامل بعد قوانين القرآن ، فلا وجه لجعل شيء فيه ابدا إلّا بالوحي المبين ، وكلّما يكون من غيره ، فإن كان بعنوان التعبّد والدين فهو بدعة وضلال ، بلا فرق بين الأصول والفروع بجميع أنواعهما ، والسنّة المقدّسة بحكم القرآن ، لأنها شارحة ومبيّنة له . والمعنى : كان سبب غرورهم وبغيهم في دينهم الذي كان يأمرهم بإطاعة الحقّ ونبذ المعصية والكبر والبغي ، إنما هو افتراؤهم في دينهم بأنهم شعب اللّه المختار ، وأن عذابهم محدود بسبب اتصال نسبهم إلى أنبياء اللّه تعالى ، فكان ذلك